خليل الصفدي

197

أعيان العصر وأعوان النصر

كتب المنسوب الفائق ، وحقق ما فيه من الطرائق ، وأتقن أقلامه السبعة ، مع ثبوت التأنق وعدم التأنّي والسرعة ، تسابق البروق أقلامه ، وتفوق سطوره الدر إذا زانه نظامه ، كأنما همزاته الحمائم على ألفاته التي هي الأغصان ، وكأنما عطفات الجيمات وجنات ونقطها خيلان ، كم كتب ختمة ، وكأنها للعيون روضة ورد ، وكم حرر ربعة فلم تحتج إلى ذهب ولا لازورد ، تسوّدت بعده أوراق التجويد ، وتحطّمت أقلام الكتاب بعد ما كانت أماليد : ( الكامل ) وأكبّت الكتّاب تبكي بعده * بمدامع بلت بها أوراقها باشر جهات الديوان والأوقاف والدرج ، وكان معدودا في كتاب الحساب ، متفرّدا بالضبط في الدخل والخرج . ولم يزل على حاله ، إلى أن قطع الآمدي مدى الحياة ، وجعله الطاعون ملقى على قفاه . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - بعد عصر الخميس ليلة عيد رمضان سنة أربع وستين وسبعمائة في طاعون دمشق ، وقد ناهز الخمس وسبعين . وكان إماما في صناعة الحساب ، ليس في كتاب المسلمين له نظير في عصره ، كنت أقول له : كم جملة ما أقول لك ، وهو خمسمائة وعشرون ألف ، وخمسة عشر وثمانون وخمسة وعشرون وسبعة وثلاثون ومائة وسبعون ، وأقول له من هذه التفاصيل جملة ، وهو يلتقط ذلك على أصابعه ، فإذا فرغت من الكلام ، قال على الفور : كذا وكذا . وكان قد باشر في ديوان الأمير سيف الدين تنكز - رحمه اللّه تعالى - مستوفيا - فيما أظن - ، وأقام به مدة ، ثم إنه في أيام حمزة التركماني صادره مع علاء الدين بن القلانسي وغيره ، وأخذ منه مبلغ ستين ألف درهم ، ثم استخدمه في ديوان خاص داريا ودومة ، وخدم كاتبا عند الأمير سيف الدين قرمشي « 1 » في أيام القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه ، دخل به ديوان الإنشاء في أيام الأمير علاء الدين الطنبغا ، وباشر في أيام طقزدمر في ديوان الأسرى . وكان يشتري الملك بالدين ، ويجعل الأجرة في وفاء الدين ، فحصل من ذلك أملاكا كثيرة من بساتين وقاعات ورباع . وكتب ما يقارب المائة والاثني عشرة ختمة وربعة ، وأشعار تاريخي الكبير والتذكرة التي لي ، وكان قد أودعه الأمير سيف الدين تنكز - رحمه اللّه - عشرة آلاف دينار ونسيها ،

--> ( 1 ) أورد له المصنف ترجمة في موضعها .